-1-
ربما هو تاريخٌ صغير الذي أودُ أن أحكي عنه، لكن، هو كُل مالدي، وكل ما أجدتُ فعله كل تلك الأعوام الماضية، أن انظر إلى التواريخ والصور، وأحاول بدقةٍ كبيرة فهم ما يحدث، محاولة أن أجد السبب وراء الشجر البعيد، الذي رُبما يقول شيئًا ما، الشجر دائمًا ما يقول شيئًا ما، وينفطر قلبي، وأستجديه ولا أفهم، لماذا يارب لا نفهم الشجر؟
لا أريد جنَّة آدم، أريد أن أسمع خطاب ودود وحنون، من الشجر، يُشبه تمامًا حركته
العطوفة، التي تجعل قلبي يميل يمينًا ويسارًا محاولًا أن يجد الحروف، علَّمتنا الأسماء يارب، دون أن نعرف، ودون أن نختار، سأقول لك، ولكن سامحني أرجوك فيما أقول:
أنا لا أهتم بالأسماء.. وماذا يهمني من إسم لم أختره؟
أنا أختار يارب أن أعرف، كيف يقولها الشجر
وكيف علمَّت الشجر، هذه الحركة، لو كُنت أعلم ماذا يقول الشجر، ماكنت الآن وحيدة
ماكنت الآن وحيدة بتلك القسوة يارب.
هذا التاريخُ البعيد. كله همس وصمت وحركة جري ونفض وموازنة وإتزان وركود
مياه وورقٌ أخضر وأقدامُ وألوان ولونٌ أبيضٌ في السماء وصوت كبيرٌ وعالٍ ومشاعر بيضاء، ونظرات، وقُبل، ولمس، وأشياء أخرى أكثر خطورة، كُل تلك التسجيلات القديمة
كلها، هي كُل مالدي، هي كل ما جنيته من الحياة.
جرَّبت أن أسافر، وعُدتُ مرتين. وعملت في النهاية موظفة أعمال مكتبية، أجلس طوال الوقت لتصوير الأوراق، والملازم الطلابية، وأجني مالُ قليل وباهت، لكنه مُرضٍ بشكلٍ مخيف ووقح، وأختلس وقت قصير أقرأ فيه نفسي وسط الفنانين الذين كُنت أود أن أصير من ضمنهم، ولكن الحياة دائمًا ما يكون لها أراءً تخُصها وحدها فيما يخُصنا نحن، أركض من العمل في الخامسة، لأني أعلم أن اليوم رُبما ستمطر إمطارتها الأولى. فأجلب الشمسية، التي إشتريتها الأسبوع السابق، لونها وردي، كما أردتُ تمامًا، رُبما في شوارع أخرى، كانت ستكون ملائمة أكثر، رُبما. لكني، وبرغم عتمة النهار البارد في القريةٍ الضعيفة الساكنة، لازالت أحُب الشتاء، رُبما هو آخر ما تبقى لي من الآيام الأخرى السابقة، التي ذقتُ فيها حلاوة النسيان تحت هذا الوقع اللطيف، والهاديء، وتلك الرائحة التي تُحب أن تقول الأشياء، وتتحدث كثيرًا عن الماضي.
نَسيتُ نفسي هُناك وأنت تعلم، وأحببت هذا النسيان، وكانت تلك هي الجنة، الأمر بالنسبة لي أن تفعل أشياءك التي تحب أن تفعلها وتجد جنتك حيثما أردت.
حسنًا سأواصل الهرب، وسأواصل السير، فوق هذا الطريق المتعرج، مثلي تمامًا، لا يُحب الإستقامة، هكذا هو. كيف تلك اللغة؟ للحظة فكرتُ بهذا الشيء الغريب، كيف تتراص الحروف وتكوِّن تلك المعانٍ، وكم كان يلزم البشرية من السنوات، حتى تصل إلى هذا الشكل بالتحديد، أتذكر يوم أن كُنت صغيرة، كنت أراقب نفسي في كل مرة أقول فيها صباحُ الخير، أنا نظرتُ ولا أعلم كيف تحديدًا نظرت إليَّ ، وراقبت الكلمة، لا أفهم كيف حدث، وكيف وأين يُمكننا إختزال صورة كاملة منِّا نستدعيها بداخلنا إذا ما أردنا أن نراقب: كيف تحدث الأشياء لنا، كيف نتصرف حيال الأشياء، من دون أن يرى أحد، نُخبيء الصورةٍ المرتجفة هُناك، ونعنفها كل يوم مرتين على الأقل، لأنها لم تُحسن التصرف. الآن، أنطقُ صباح الخير، مراتٍ عديدة، ولأنني لم أعرف كيف وانا صغيرة
فإن الشيء الذي إعتدت أن يحدث تلقائيًا، لم يعد يحدث، ولم يعد يُمكنني التصرف حيال ذلك. تمامًا كآخر مرة، ذهبت فيها هُناك ووجدت رائحة بولٍ يسقُط مني سهوَّا على الأرضِ دونَ نذيرٍ مُسبق، فخلعت البنطال وحملته مِسكينًا معيً، شاردًا معي، تائهًا معي،
فإن الشيء الذي إعتدت أن يحدث تلقائيًا، لم يعد يحدث، ولم يعد يُمكنني التصرف حيال ذلك. تمامًا كآخر مرة، ذهبت فيها هُناك ووجدت رائحة بولٍ يسقُط مني سهوَّا على الأرضِ دونَ نذيرٍ مُسبق، فخلعت البنطال وحملته مِسكينًا معيً، شاردًا معي، تائهًا معي،
وعدتُ لحجرتي، وجلستُ لأشم الرائحة، التي لم أفهم سببها أبدًا، وخلعت لباسي، وقرَّبته مني وحاولت أن أشم الشيء لآخره، أن أصل إلى الرائحة الحقيقة، وبكيت بحرقة.
إن الغرق الغريب الذي أتذكره الآن لأيام دروس الفيزياء بالثانوية، يُذكرني بشيء لا أعلمه، لكن أتذكر جيدًا أن تلك الأيام كانت هامة، هامة جدًا وخطيرة، والأنفاس بها كانت متصارعة دائمًا، وبي لحظة تصبح الأشياء على المحك، لكن ما لا أفهمه، كيف يُصبح الوقت فجأة بلا قيمة الآن؟ إذا ماكانت كُل تلك الطاقة القديمة تفيضُ إلى شيء ما، ما كان سببها بالأساس؟ وهل الإنكسارُ قاسٍ إلى تلك الدرجة؟ رُبما، لكن مازال يُحيرني الوقت
وما يفعله بنا، وإلي أين ذهب الإستغراق بالأشياء؟ ماسبب كُل شيء يا رب؟
وأخيرًا
وصلتُ إلى السد، إعتدتُ أن يكون مضيئًا تحت قدمي، وأعتدت أن أجد نفسي أحركها
للأمام وأركل بها الحائط الذي كان يحمل كل براءة الأيام القديمة، الحائط الآني لم
يعد يقوى على شيء، وقدمي، أنستها الأيام، كيفَ هو الركلُ. والضوء، إختفى خلف
الشمس، وجد راحته هُناك. أو رُبما إختار أن يخيب ظنه عن الحياة بعيدًا عن ركلات
المشاة.
عُدتُ
إلى البيت، أسألُ عن الأسئلة.