السحاب



هذا السحاب المُضيء المتقِّد، قطنيُّ وجاف ونظيف.

كُلما رأيته صدفةً حينما أميل برأسي نايحة الشمال، أجدُ ريحًا عتيقةً تأخذني بسرعة، حتى أقف على قداماي المتورمتان اللتان تتعلمان المشيّْ للتو.
فأجد نفسي واقفة على بلاطْ حيٍ واسعٍ وشاسعٍ وفارغٌ تمامًا من الناس.
فيه نافذة واحدة واقفة بنفس تردد وقفتي، وبنفس دهشتي الصغيرة حول العالم الكبير.
 مائلة، وغير واثقة، فأنظر منها على قطع القطن الكبيرة المغرية في السماء، وأرى الحياة، والحياة الأخرى، والحيوات الأخرى الكثيرة. أرى الذي حدث، ولماذا حدث، وأرى كل ماتتوقعه الحياة من الناس. أرى جبالًا عالية وشلالات مياه طويلة
طويلة الأمد، ولها رائحة الورد الحي الذي قد إستيقظ لتوه.
وأرى جبالًا من الخضرة، تحتها المياه، تحاول
تحاول بجديِّة أن تغّيِر المعنى الكبير للأشياء.
طعم هذه الحركة العظيمة، حركة المياه فوق الجبل والخضرة، طعمها في قلبي، رَطِبٌ، جميلٌ حيٌ، يُرزق من الهواء النفس
الذي يود أن يأخذ العُمر كله في لفة واحدة مُشابه لهذا الطعم.

رُبما بعدها، قد إنطفيء الورد، وقد غابت الرائحة، وقد شُلَّت الحركة، لأن أحدهم، قد بنى سورًا كبيرًا بيني وبين كُل شيء
العالم الواسع، أصبح ضيق.

هذا السحاب المُضيء المتقِّد، قطنيُّ وجاف ونظيف.
يُشبهك، أيتها المرأة الناعمة، امواجه تُشبه حركتك، البطيئة، الحركة الرقيقة، التي تأخذين معها كل شيء.

هل يمكنك ان تعطيني هذه النعومة لبضع ساعات؟ يحبني فيها الولد الذي يحبك؟

لأنَّ هذا الوجه مُضيءٌ ومُتقِّد. قطنيُّ وجاف ونظيف.

ما الذي حدث إذَا؟ وكيف خانت السحُب العالية العهد معنا، نحن كنا صغارًا، نرمي همومنا إلى الشمال، ونجلس، لنراقب العالم
وهو يتغير، وهو يناسب ما نريده تمامًا.
لكنهم، قد بنوا سورًا عظيمًا.
حجب عني السحاب والضوء والرائحة، والحلم البعيد قد إنهزم. وإختلطت بالأرض، وإنغمست في رائحتها الكريهة.
والبيت الذي بنيته على شاطيء البحر، والطريق الذي رسمته، مزروعًا بالخضرةٍ والصخرةٍ والمياه الجارية، قد إنهزم أيضًا،
وصار طريقًا عادي، في قرية "شمس" .
القرية التي أصاب أهلها العمى، من كثرة الرؤية!
إنهم يرون كُل شيء بوضوحٍ كامل، ويتجاوزونه بسهولةٍ تامة. مريح؟ نعم هذا مريح لكن له رائحة كريهة.
إن الطين قد لطَّخ وجهي.
وزرع بثوره، ورحل، وإن السحاب في وجهي إختفى،
إختفى إلى الأبد
هذا السحاب المُضيء المتقِّد، القطنيُّ الجاف النظيف.
إختفى.
إلى الأبد.

وإلى الآن على الأقل، من حقي أن أجلس حزينة هنا، وأنتظرُ ألا يحدثٌ شيء.
أجلس فقط لأراقب، النساء الكاذبات، يسهرن طوال الليل يزيلون وجهًا بعد وجه، ينسجنٍ وجوههن من جديد، حتى يأتي الصباح، ينزلون فيه من البيت، يُشبهون قطع الحلوى المغزولة البيضاء، يُشبهون السحاب ويشبهون قُطنيته، يدَّعون ذلك بمهارةٍ كبيرة، ويصدقون أن كُل شيء على ما يُرام.

لم أعد قطعة حلوى إذَا؟ هل أستحق العيش؟
إن السحاب بداخلي، لا يراه أحد، لا يراه أحد على الإطلاق، وإني قبيحة مثل وجه الأرض، وهذا غير عادل.

هذا السحاب المُضيء المتقِّد، القطنيُّ الجاف النظيف.
قد أكل قلبي، وإنحسرتُ أنا في الذي لا يراه أحد.

بريقك يذهب
ولمعة عينك تنطفيء
وإن الظل الذي كان يحميك قد غاب
وسيغيب طويلًا
طويلًا
وإن الكلمة التي تختبيء وراءها وتضحك
ستختفي
ولن تقدر على سب العالم بعد الآن

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

{1}